بعد اختتام عضويتها لمجلس الأمن.. الدبلوماسية التونسية بين التعثر وضعف الاتصال

0

تونس – الصباح

إلى أي مدى نجحت الدبلوماسية التونسية في مهمتها كعضو غير دائم في مجلس الأمن التابع لمنظمة الأمم المتحدة في السنتين المنقضيتين أي على امتداد الفترة 2020-2021، وذلك على مستويين وطني ودولي؟

وهو سؤال يختزل في أبعاده أجوبة لاستفهامات وتساؤلات واستفسارات عديدة حول هذه الدورة التي تضطلع بها بلادنا للمرة الرابعة منذ الاستقلال إلى اليوم اعتبارا للمبدأ الدوري المعتمد أي بعد كل عشرين سنة، مما يضع بلادنا من البلدان العربية القلائل التي تمنح لها العضوية غير الدائمة بمجلس الأمن في أربع دورات منذ الاستقلال إلى الآن بعد مصر التي تولت المهمة خمس مرات.

علما أن المرة الأولى التي ترأست فيها بلادنا مجلس الأمن كانت سنتي 1969/1960 عندما كان الصادق مقدم وزيرا للخارجية وكانت بلادنا لم تحقق بعد استقلالها التام فضلا عن تواصل حركات التحرر في الجزائر وبلدان عربية وافريقية أخرى والثانية سنتي 1980/1981 في عهد وزير الخارجية حسان بلخوجة في فتر بداية تشكل أنظمة البلدان العربية واستقرارها، والثالثة في المدة 2000/2001 زمن الحبيب بن يحي والتي تتزامن مع ظهور أزمة الإرهاب.

ومدعاة طرح هذا التساؤل هو توفر جملة من المعطيات والعوامل والسياقات الجيوسياسية الداخلية والخارجية الحافة بهذه الدورة، تفتح آفاقا وانتظارات وأدوارا محورية وهامة وطنيا وإقليميا بالأساس وذلك بعيدا عن منطق المقارنة بين بقية الدورات لاختلاف الظروف ومستجدات كل مرحلة.

ويذكر أن وزارة الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين في الخارج، أعلنت أنه بتاريخ 31 ديسمبر المنقضي، اختتمت تونس عضويتها غير الدائمة بمجلس الأمن التابع لمنظمة الأمم المتحدة.

ولعل ما يميز عضوية تونس الأخيرة أنها تختلف عن الدورات السابقة على مستويات عديدة منها أنها تتزامن مع تغير منظومة الحكم والمناخ الديمقراطي لتونس ما بعد ثورة 2011 وما تطرحه من مقاربات الموازنة بين نواميس الدبلوماسية الكلاسيكية والمعاصرة وما تتطلبه من مقتضيات المصلحة من ناحية والالتزام بالمبادئ من ناحية ثانية ومقاربتها للملفات المطروحة من ناحية أخرى، ثم أنها تأتي في ظرف إقليمي ودولي متقلب وغير مسبوق تواترت فيه الأزمات محكوم بالتوتر والصراع والتنازع وسطوة “غول الإرهاب” فضلا عن تزايد الأزمات الصحية والاقتصادية والجيوسياسية والمستجدات سواء تعلق الأمر ببلدان المغرب العربي أو القارة الإفريقية أو المنطقة العربية والبلدان الإسلامية باعتبار أن بلادنا معنية بأربع لجان فرعية في صلب هذا المجلس والتي تعنى تباعا بالبلدان العربية والإفريقية والإسلامية والأخيرة خاصة بالبلدان الفرانكفونية.

ويذكر أن تونس ترأست خلال عضويتها غير الدائمة ثلاثة هياكل فرعية يمثل الأول في لجنة مكافحة الإرهاب والثاني في لجنة فريق العمل المكلف بعمليات حفظ السلام الأممية والثالث هو لجنة العقوبات المفروضة على غينيا بيساو.

ولئن استطاعت الدبلوماسية التونسية خلال الدورة الأخيرة، وفق ما تضمنه بيان وزارة الخارجية في الغرض بالتأكيد على أن ذلك لم يُثن تونس على تحمّل مسؤولياتها كاملة، وفق تصوّرات جديدة جمعت بين التمسّك بثوابت السياسة الخارجية للبلاد المنسجمة مع المقاصد والمبادئ الواردة بميثاق الأمم المتحدة، من جهة، وبين الواقعية في التفاعل مع بقية أعضاء مجلس الأمن وسائر الدول الأعضاء بالأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية، من جهة أخرى، من أجل المساهمة الفاعلة في تمكين مجلس الأمن من إنجاز مهمته الأساسية في حفظ السلم والأمن الدوليين. خاصة ما تعلق بالقضايا الإقليمية العربية أو القارية والإسلامية. ولعل من أبرز المبادرات التي قدمها رئيس الجمهورية قيس سعيد في الغرض ما تعلق بالقضية الليبية والدفع للتسوية السياسية والوقف الفوري لإطلاق النار. إضافة إلى المبادرة التونسية الفرنسية بالدعوة لوقف إطلاق النار في مناطق التنازع والصراع والحروب بسبب أزمة “كوفيد 19”.

خاصة أن الأنظار كانت متجهة إلى الدور التونسي الذي يمكن أن تلعبه في التعاطي مع قضايا حارقة في المنطقة العربية أساسا منها القضية الفلسطينية لاسيما أن قيس سعيد وضعها عنوانا كبيرا لحملته الانتخابية بتكرار “التطبيع جريمة” و”القضية الفلسطينية هي قضيتنا وشعبنا” إضافة إلى قضايا أخرى حارقة منها سوريا ومساعي تأكيد عودتها لجامعة الدول العربية فقضية الشعب اليمني في الحرب ضد السعودية والإمارات والنزاع المتواصل حول قضية الصحراء الغربية في شمال إفريقيا وتأزم الوضع السياسي بين المغرب والجزائر فضلا عن القضايا الأخرى في الداخل الإفريقي والشعوب الإسلامية. وما عرفته العراق ولبنان من تتوتر وتطور في الأوضاع واندلاع أزمة سد النهضة بين مصر وأثيوبيا بعد اختيار مصر تدويل القضية. كلها كانت من القضايا الحارقة بمستوى امتحان كبير للدور التونسي من خلال توليه تمثيلية دولية موسعة في مجلس الأمن على امتداد سنتين، رغم تداعيات ذلك على علاقات بلادنا ومصالحها دوليا.

توتر وعدم استقرار

عرفت تونس خلال هذه الدورة تعثرا وتذبذبا رافقه جدل واسع داخلي وخارجي منذ بداية تولي مهمة العضوية غير الدائمة لمجلس الأمن التي تزامنت مع استفحال أزمة الجائحة الوبائية في العالم وبداية ظهور تداعياتها السلبية والخطيرة في القطاعات الصحية والاقتصادية والاجتماعية في البلدان الإفريقية كما العربية بالأساس. فبعد فترة وجيزة تمت إقالة الرئيس الأول للبعثة الدبلوماسية بالأمم المتحدة منصف البعتي بسبب ما يعرف بتسريب مسودة مشروع بيان إدانة “صفقة القرن” وما خلفه بيان رئاسة الجمهورية حول هذه الإقالة من ردود أفعال وتجاذبات والذي أكد أن تلك المسودة لم يتم العودة فيها إلى السلطات الرسمية أو التنسيق معها وفيها سعي لإدانة تونس والإساءة إلى رئيسها بالأساس. إضافة إلى إقالة سفير تونس بالولايات المتحدة طارق الأدب وبعدها إقالة السفير قيس قبطني وما خلفته العملية أيضا من لغط وتداعيات في الأوساط الدبلوماسية والسياسية.

فلم يقتصر الأمر على الإقالات وعدم استقرار الوفد الدبلوماسي بنيويورك خلال تلك المدة، بل عاشت تونس خلال نفس الفترة على وقع هزات ومخاض وصراع سياسي داخلي حاد عرف تواترا وتسارعا في الأطوار والمستجدات داخليا وخارجيا. تجسمت بالأساس في بداية الصراع على الصلاحيات ومن أهمها الصلاحيات الدبلوماسية وظوهر أزمة “الدبلوماسية البرلمانية” بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب الأمر الذي دفع بعض النواب يتحركون ضد هذا التداخل ويقدمون لائحة مساءلة لرئيس البرلمان راشد الغنوشي في الغرض بعد اختياره الزج بتونس الاصطفاف إلى جانب شق دون آخر في الصراع الليبي الليبي. ليدخل على خط التنافس على الدبلوماسية بعد ذلك رئيس الحكومة المُقَال هشام مشيشي. ويبدو أن تلك الصراعات وتأزم المناخ السياسي داخليا أثر سلبيا على الدور التونسي في هذه المهمة الدولية رغم أهميتها ليطغى الجدل والاهتمام على ما هو وطني وتركيز رئاسة الجمهورية على المعارك والمهاترات الداخلية.

وقد كان لموقف بلادنا في قضية الصحراء الغربية أو ما يعرف بـ”البوليزاريو” والتزام بلادنا موقف محايد تأثيره على علاقة تونس ببلدان الجوار كما هو الأمر بالنسبة لقضية سد النهضة بين جمهوريتي مصر وأثيوبيا.

ضعف اتصالي

وذهبت تفسيرات وقراءات عديد المتابعين للشأن التونسي خارجيا إلى الأزمة الاتصالية الضعيفة في سياسة تونس الخارجية خلال هذه المرحلة. وعدم قدرة سعيد على الاستثمار في هذه المهمة عبر تحويلها إلى فرص لخلق خط وعلاقات دبلوماسية تخدم المشاريع والهداف الوطنية من خلال توسيع قواعد التشبيك الدولية وفتح آفاق أرحب للكفاءات الوطنية والاستثمارات الكبرى في مجالات علمية وصناعية وصحية وغيرها والمراهنة على دعم الاقتصاد الوطني والعمل على تعزيز موقع وعلاقات تونس دوليا. ويرجع ذلك حسب عديد القراءات إلى ضعف الدبلوماسية التونسية خلال نفس الفترة وعدم قدرتها على تطوير أدواتها وتقديم برامج وبرؤى كفيلة بتحويل المرحلة إلى فرصة تونسية سواء على مستوى إقليمي عربي وإفريقي أو عالمي عبر توسيع اختصاصات الدبلوماسية من سياسية لتشمل اختصاصات أخرى. خاصة أن عديد الجهات ناشدت رئاسة الجمهورية خلال السنتين الأخيرة للمراهنة على الدبلوماسية الاقتصادية كخيار ناجع يساهم في إخراج بلادنا من الأزمة الاقتصادية والمالية الحادة التي ترزح تحتها.

نزيهة الغضباني


أكمل قراءة الخبر على صفحة المصدر: موقع الصحفيين التونسيين بصفاقس

قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...